ثار ما ثار مؤخرا حول الفأر"ميكي". وبغض النظر عن تفاصيل ما قيل، وعن سوء النقل والتأجيج الذين وقعت فيهما بعض وسائل الإعلام، استوقفني واستثارني نبرة الاستهزاء والتندر التي وجهها البعض لكلمة "فويسقة"؛ فأخذوا يضحكون ويستنكرون وصف كائن يرونه خفيف الظل بها رغم أنها الكلمة التي أطلقها الصادق المصدوق -صلوات ربي وسلامه عليه- لوصف الفئران. لا أعرف ما سر غضبة واستنفار الكثيرين لـ”ميكي” هذا حتى أنهم على استعداد للاستهزاء بحديث شريف من أجل سواد عيني ميكي، أو بعبارة أدق لسواد أذنيه. هل يؤمنون مثلا بالخزعبلات الصينية التي ترى أن عام 2008 هو عام الفأر فقرروا، الانتصار له؟ على أي حال، هلموا نسبر أغوار التاريخ والتراث واللغة لنتعرف على هذه الكائنات ونحكم حينها على الأمر بعقولنا لا بقلوبنا.
العلماء مصابيح الدنيا كما جاء في الأثر،كما يعتبرون البَدّةَ التي بفضلها تتقوى الأمة وتتحدى صلف القوى الأخرى،فبنور علمهم تنهض الأمم وترقى وتتقدم الصفوف الأولى،وتسيطر على ناصية الحضارة والتكنولوجيا،وما ارتقت الأمم عبر التاريخ الإنساني إلا بفضل جهود علمائها وبفضل زبدة ما قدموه من علم وفكر مستنير.والحضارة الإسلامية ما بلغت الذي بلغته،وما عمرت أكثر من ثلاثة عشر قرنا من الزمان.
الولع بالتاريخ ليس ترفًا بل حاجة! ودراسته والاهتمام به ليست ضرباً من ضروب العبث الذي لاطائل منه بل قمة الجد! إنه ليس استذكارا لأطلال تهدمتْ ولا مناجاة ً لشخوص دفُنتْ ولا استحضارا لمعالم دَرسَت ْولا استرجاعا لسيرٍ مضت. إنه معنى أبعد من ذلك بكثير إنه شعور بالامتداد والتواصل بين أقطار الأرض وجهاتها الأربع شعور تختفي فيه الفوارق وتذوب فيه حدود الزمان والمكان شعور تنش له الروح ويخفق له القلب وهما يلتمسان معا حقيقة ذلك التلاقي عبر العصور مع كل من سبق على وجه هذه الأرض من عبيد الله جل وعلا.
لايمكن بحال من الأحوال لدى الحديث عن السياسي والاجتماعي في المنطقة العربية أن نحصر الحديث في اتجاه واحد ولاتيار واحد ، وذلك على الرغم من أن التيارات "الفكرية" الثلاثة الرئيسية في بلادنا كانت تحاول وبصورة مستميتة أن تلغي الآخر وبكل الطرق الممكنة ، الآخر الذي هو نحن.
الصفحة 18 من 40